ابن رشد
15
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
الشهرستاني من " أنه دخل واحد على الحسن البصري فقال : يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة ، وهم وعيدية الخوارج ، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان ، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهم مرجئة الأمة . فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟ فتفكر الحسن . وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء : أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا بل هو في منزلة بين المنزلتين : لا مؤمن ولا كافر . ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن ، فقال الحسن : اعتزل عنا واصل . فسمي هو وأصحابه معتزلة " . « 5 » هذا الانفصال " العقدي " كان فعلا الميلاد الرسمي للمعتزلة كفرقة ذات أصول محددة بلورها كما سنرى واصل بن عطاء . غير أن الميلاد السياسي ل " الاعتزال " كان قد حدث قبل ذلك على صورة انفصال سياسي ، أو لنقل : انفصال عن السياسة ، وذلك حسب ما رواه أبو الحسين الملطي الذي يقول عن المعتزلة إنهم : " هم سموا أنفسهم معتزلة ، وذلك عندما بايع الحسن بن علي ، عليه السلام ، معاوية وسلم إليه الأمر ، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس . وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي فلزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا : نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة " . « 6 » والواقع أنه سواء أخذنا بهذه الرواية التي تنسب نشأة المعتزلة صراحة إلى اعتزال السياسة عام " الجماعة " ( عام تسليم الحسن بن علي لمعاوية - سنة 40 ه ) أو رجعنا بالاعتزال إلى موقف أولئك الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة زمن عثمان ووقفوا موقفا محايدا في الصراع بين علي وخصومه ، طلحة والزبير وعائشة « 7 » ، أو رجحنا الرواية التي تربط ميلاد المعتزلة الرسمي بواصل بن عطاء وانفصاله " العقدي " عن الحسن البصري ، فإن الأمر يتعلق في جميع هذه المناسبات بالارتفاع ب " الموقف " من مستوى الفعل السياسي إلى مستوى النظر والتفكير . وتاريخ علم الكلام منظورا إليه من زاوية تطور بنائه الداخلي هو في الحقيقة والواقع تاريخ تطور التفكير " النظري " في الإسلام . لقد وضعنا كلمة " النظري " بين مزدوجتين للتنبيه إلى المعنى
--> ( 5 ) الشهرستاني . نفس المرجع . ص 47 - 48 . ( 6 ) الملطي . نفس المرجع . ص 36 . ( 7 ) أنظر تفصيل ذلك في : م . ع . الجابري . العقل السياسي العربي . م . د . و . ع . بيروت 1990 . ص 240 .